تقرير خاص – سوق نيوز
يشهد قطاع التقنية المالية (الفنتك) في المملكة العربية السعودية طفرة نمو استثنائية، محولاً المملكة إلى مركز إقليمي رائد وبخطى ثابتة نحو المنافسة عالميًا. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية طموحة، وبيئة تنظيمية داعمة، وبنية تحتية رقمية متطورة، مما خلق منظومة متكاملة تجذب الاستثمارات وتدعم الابتكار.
تتحدث الأرقام عن حجم هذا التطور، حيث قفز عدد شركات التقنية المالية العاملة في المملكة بشكل هائل من عشر شركات فقط في عام 2018 إلى 261 شركة بنهاية عام 2024، متجاوزًا المستهدفات الموضوعة. وقد أثبت القطاع قدرته على جذب رؤوس الأموال، حيث استحوذت السعودية على 56% من إجمالي الاستثمارات في قطاع التقنية المالية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال النصف الأول من عام 2025. كما ساهم القطاع بشكل كبير في خلق فرص عمل نوعية، حيث وصل عدد الوظائف المباشرة فيه إلى أكثر من 11,000 وظيفة، مع نسبة توطين تصل إلى 71%.
يقف خلف هذا النمو المتسارع عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها رؤية المملكة 2030 التي وضعت هدفًا استراتيجيًا لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للتقنية المالية. وتدعم هذه الرؤية بيئة تنظيمية وتشريعية مرنة يقودها البنك المركزي السعودي (ساما) وهيئة السوق المالية، اللذان مكّنا الشركات الناشئة من اختبار ابتكاراتها عبر “البيئة التجريبية التشريعية”. يضاف إلى ذلك بنية تحتية رقمية قوية ومجتمع شاب يتقبل التقنيات الحديثة بسرعة، مما سرّع من تبني حلول الدفع الرقمي، حيث تجاوزت نسبة المعاملات غير النقدية 79% في عام 2024.
في قلب هذه المنظومة النابضة بالحياة، برزت شركات مبتكرة نجحت في تغيير شكل الخدمات المالية. في قطاع “اشتر الآن وادفع لاحقاً”، تقود شركتا تابي وتمارا المشهد، حيث تتيحان للمستهلكين تقسيط مشترياتهم بسهولة، وقد نجحت “تمارا” في أن تصبح أول “يونيكورن” (شركة تتجاوز قيمتها مليار دولار) في القطاع. وفي مجال المدفوعات الرقمية، تحولت إس تي سي باي (stc pay) من مجرد محفظة رقمية إلى بنك رقمي متكامل، لتصبح الأكبر في المنطقة من حيث عدد المستخدمين.
وتتوسع الابتكارات لتشمل تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تلعب منصات مثل ليندو ومنافع كابيتال دوراً حيوياً في سد الفجوة التمويلية من خلال ربط الشركات بالمستثمرين عبر الإقراض الجماعي بالدين أو الملكية. وفي مجال المصرفية المفتوحة، تبرز شركة مكيال (Mala’a) التي تتيح للمستخدمين ربط كافة حساباتهم البنكية في تطبيق واحد لإدارة مالية أفضل.
كما ظهرت حلول متخصصة تخدم قطاعات محددة، فشركة هالة (Hala) تقدم حلول نقاط البيع والتمويل للتجار، بينما تسهل منصة أصيل الاستثمار في العقارات عبر التمويل الجماعي العقاري. وفي مجال الادخار والاستثمار، يساعد تطبيق وعود الأفراد على الاستثمار بشكل آلي، في حين تتخصص منصة رسال في رقمنة قطاع الهدايا وبطاقات الدفع المسبق.
إن هذا المزيج من الدعم الاستراتيجي، والبيئة التنظيمية المحفزة، والشركات المبتكرة، يضع قطاع التقنية المالية في السعودية على مسار نمو واضح وطموح. ومع استمرار تدفق الاستثمارات ونضج الشركات المحلية، تستعد المملكة ليس فقط لقيادة القطاع في منطقة الشرق الأوسط، بل لتكون لاعبًا مؤثرًا على الساحة العالمية، مما يعزز من تنويع الاقتصاد ويحقق مستهدفات رؤية 2030.












