منذ تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة، اتسمت علاقته بالصين بالتصعيد غير المسبوق، سواء عبر الحرب التجارية، أو القيود التكنولوجية، أو العقوبات المفروضة على شركات صينية كبرى. وكان قطاع أشباه الموصلات (الرقائق) في صلب هذا الصراع، باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الرقمي والقدرات العسكرية المستقبلية.
ورغم هذا النهج المتشدد، سمحت إدارة ترمب في مراحل معينة بتصدير أنواع محددة من الرقائق والتقنيات إلى الصين، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول دوافع هذا التراجع الظاهري.
أولاً: الفصل بين الأمن القومي والمصالح التجارية
إدارة ترمب لم تتبنَّ حظرًا شاملًا ومطلقًا، بل سعت إلى استهداف التقنيات المتقدمة الحساسة فقط، خصوصًا تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، والتطبيقات العسكرية.
أما الرقائق الأقل تقدمًا، المستخدمة في الإلكترونيات الاستهلاكية والصناعات المدنية، فقد اعتُبرت أقل خطورة من منظور الأمن القومي، ما فتح الباب أمام السماح بتصديرها ضمن ضوابط.
ثانيًا: حماية الشركات الأمريكية من الخسائر
شركات أمريكية كبرى في قطاع الرقائق تعتمد بشكل كبير على السوق الصينية، التي تمثل أحد أكبر مصادر الإيرادات عالميًا.
المنع الكامل كان سيؤدي إلى:
- خسائر مالية ضخمة
- تراجع القدرة التنافسية للشركات الأمريكية
- فتح المجال أمام منافسين من دول أخرى لملء الفراغ
وبالتالي، فضّلت الإدارة الأمريكية تحقيق توازن بين الضغط على الصين وعدم الإضرار بالاقتصاد الأمريكي.
ثالثًا: استخدام الرقائق كورقة تفاوض
ترمب كان رجل صفقات، وتعامل مع ملف الرقائق كأداة ضغط ضمن المفاوضات التجارية الأوسع مع بكين.
السماح الجزئي بالتصدير جاء أحيانًا في سياق:
- تهدئة مؤقتة للأسواق
- تشجيع الصين على تقديم تنازلات تجارية
- دعم اتفاقيات مرحلية مثل “المرحلة الأولى” من الاتفاق التجاري
رابعًا: منع تسريع الاكتفاء الذاتي الصيني
المفارقة أن التضييق المفرط كان قد يدفع الصين إلى تسريع تطوير صناعتها المحلية للرقائق بشكل أكثر حدة.
لذلك، رأت بعض الدوائر في واشنطن أن استمرار الاعتماد الجزئي للصين على الرقائق الأمريكية:
- يُبقيها مرتبطة بسلاسل التوريد الأمريكية
- يحد من استقلالها التكنولوجي الكامل على المدى المتوسط
خامسًا: ضغوط داخلية وانقسام مؤسسي
القرار لم يكن أحاديًا، إذ واجه ترمب:
- ضغوطًا من وزارة التجارة
- اعتراضات من شركات التكنولوجيا
- نقاشات داخل الكونغرس
هذا الانقسام أدى إلى سياسة متذبذبة أحيانًا بين التشدد والتخفيف، بحسب المرحلة السياسية والاقتصادية.
سادسًا: التفريق بين الصين كشريك اقتصادي وخصم استراتيجي
رغم الخطاب الحاد، لم تُصنّف الصين خلال فترة ترمب كدولة محظور التعامل معها بالكامل.
فقد ظل الاقتصادان الأمريكي والصيني متشابكين بعمق، ما جعل القطيعة الكاملة غير واقعية دون إحداث صدمة عالمية.
خلاصة التقرير
سماح إدارة ترمب بتصدير بعض الرقائق إلى الصين لم يكن تراجعًا عن المواجهة، بل إدارة محسوبة للصراع.
فالهدف لم يكن عزل الصين بالكامل، بل:
- إبطاء تقدمها في التقنيات الحساسة
- حماية الشركات الأمريكية
- استخدام التكنولوجيا كورقة ضغط سياسية واقتصادية
وهو ما يفسر النهج الأمريكي القائم على المنع الانتقائي لا الحظر الشامل، وهو النهج الذي استمر – مع اختلاف الأسلوب – في الإدارات الأمريكية اللاحقة.












