تقرير خاص . سوق نيوز
لم تعد Apple تراهن على الآيفون وحده، بل تتجه إلى بناء منظومة تقنية متعددة المحركات تشمل الهواتف القابلة للطي، والذكاء الاصطناعي، والأجهزة القابلة للارتداء، والمنزل الذكي، والخدمات، والنظارات الذكية مستقبلاً، في تحول استراتيجي قد يمثل أكبر اختبار للشركة منذ إطلاق iPhone.
وتأتي هذه المرحلة مع تولي جون تيرنوس منصب الرئيس التنفيذي خلفاً لتيم كوك، وفي وقت تستعد فيه Apple لإطلاق منتجات جديدة في 9 سبتمبر، وسط توقعات بأن يكون أبرزها أول iPhone قابل للطي.
ولا يأتي هذا التحول نتيجة ضعف مالي؛ فقد بلغت إيرادات Apple نحو 109.4 مليار دولار في الربع المالي الثالث من 2026، فيما وصلت إيرادات الخدمات إلى نحو 30.7 مليار دولار، بينما تجاوزت قاعدة الأجهزة النشطة 2.5 مليار جهاز. لكن ضخامة الشركة تجعل تحقيق نمو كبير من الآيفون وحده أكثر صعوبة، ما يدفعها إلى البحث عن محركات جديدة للنمو.
ويأتي الهاتف القابل للطي في مقدمة هذه الرهانات. وتشير التقديرات إلى أن سعره قد يتجاوز 2,000 دولار، فيما قد تصل إيراداته إلى أكثر من 45 مليار دولار بحلول 2027 وفق بعض تقديرات السوق. ورغم أن الهواتف القابلة للطي لا تزال تمثل نحو 2% من سوق الهواتف العالمي، فإن دخول Apple قد يسرّع انتشار هذه الفئة ويمنحها فرصة لجذب مستخدمين جدد ورفع متوسط سعر بيع أجهزتها.
لكن التحدي يكمن في ألا تكون مبيعات الهاتف القابل للطي مجرد تحويل لمستخدمي iPhone الحاليين من طراز إلى آخر، بل أن يخلق دورة ترقية جديدة ويجذب مستخدمي Android إلى منظومة Apple.
وفي الخلفية، تبدو الذكاء الاصطناعي المعركة الأهم. تعمل Apple على توسيع Apple Intelligence وتطوير Siri لتصبح أكثر قدرة على فهم السياق الشخصي والتفاعل مع التطبيقات والأجهزة. وتراهن الشركة على ميزة يصعب على المنافسين تقليدها: أكثر من 2.5 مليار جهاز نشط يمكن أن تصبح جميعها بوابة لتجربة الذكاء الاصطناعي.
وهنا لا تريد Apple بالضرورة بيع الذكاء الاصطناعي كمنتج مستقل، وإنما استخدامه كعامل يدفع المستخدم إلى شراء أجهزة أحدث وأكثر قدرة، وبالتالي تحويل AI إلى محرك لترقية الأجهزة.
أما الخدمات، فأصبحت بالفعل أحد أهم أعمدة نموذج أعمال الشركة. فخدمات مثل iCloud وApple Music وApple TV وApp Store تمنح Apple إيرادات متكررة لا تعتمد على بيع جهاز جديد في كل مرة. وكلما زاد عدد أجهزة المستخدم داخل المنظومة، ارتفعت قيمة العميل الاقتصادية للشركة.
وتحاول Apple في الوقت نفسه توسيع حضورها في المنزل الذكي، عبر دمج الذكاء الاصطناعي وSiri مع الأجهزة المنزلية، بينما تمثل النظارات الذكية، إذا تحولت إلى منتج جماهيري، فرصة لدخول سوق جديدة يمكن أن تصبح أحد أهم أسواق الأجهزة الشخصية خلال العقد المقبل.
اقتصادياً، يمكن لهذا التوسع أن يرفع متوسط سعر بيع منتجات Apple، ويزيد الإيرادات المتكررة، ويرفع قيمة المستخدم الواحد، وينشط سلسلة توريد عالمية تشمل الرقائق والشاشات والبطاريات والكاميرات وأجهزة الاستشعار. كما أن تنويع الإنتاج خارج الصين، خصوصاً عبر الهند وفيتنام، يمنح الشركة مرونة أكبر في مواجهة مخاطر سلاسل الإمداد.
لكن التوسع يحمل في المقابل مخاطر واضحة؛ فتطوير منتجات جديدة والإنفاق على الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد قد يضغط على التكاليف وهوامش الربح، كما أن ارتفاع الأسعار قد يحد من الطلب. والأهم أن كثرة المنتجات قد تضع جودة Apple وتركيزها أمام اختبار حقيقي.
فالشركة بنت نجاحها تاريخياً على تقديم عدد محدود نسبياً من المنتجات مع تجربة متكاملة بين العتاد والبرمجيات والخدمات. ولذلك فإن دخولها المتأخر إلى سوق الهواتف القابلة للطي قد يكون ميزة إذا استغلت سنوات تطوير المنافسين لتقديم منتج أكثر نضجاً ومتانة وتكاملاً.
وفي النهاية، لا يتمثل رهان Apple الحقيقي في بيع هاتف قابل للطي أو إطلاق نظارة ذكية، بل في الانتقال من شركة يقودها iPhone إلى منظومة تقنية يقودها الذكاء الاصطناعي وتتكامل فيها الأجهزة والخدمات والمنزل والمنصات الرقمية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع Apple أن تتوسع بالسرعة الكافية لمنافسة عصر الذكاء الاصطناعي، من دون أن يؤدي هذا التوسع إلى فقدان الجودة والبساطة والتركيز التي صنعت مكانتها؟
إذا نجحت، فقد تكون هذه بداية دورة نمو جديدة لـApple. أما إذا أخفقت، فقد يتحول أكبر توسع في تاريخها إلى أكبر اختبار لهويتها وجودة منتجاتها.
