اقتصاد التجارب: عندما تصبح المشاعر الإنسانية جزءًا من القيمة

د. محمود فاروق عبدالحليم

لم يعد الاقتصاد الحديث قائمًا فقط على ما ننتجه أو نبيعه، بل على ما نمنحه للناس من شعور وتجربة وذاكرة. ففي عالم تتشابه فيه السلع وتتقارب فيه الخدمات، باتت التجربة الإنسانية هي العامل الحاسم في تشكيل القيمة، وهو ما يعرف اليوم باقتصاد التجارب.

هذا المفهوم لا ينتمي إلى عالم الترفيه وحده، ولا يقتصر على السياحة أو الفعاليات، بل يعكس تحولًا عميقًا في طريقة تفكير الشركات والدول في علاقتها بالإنسان بوصفه مستهلكًا وصاحب تجربة في آن واحد.

اقتصاد التجارب، ببساطة، هو اقتصاد يُصمَّم فيه المنتج أو الخدمة على نحو يُشرك العميل عاطفيًا وحسيًا، بحيث لا يخرج فقط بما اشترى، بل بما شعر به وما سيظل عالقًا في ذاكرته. فالقيمة هنا لا تُقاس بالوظيفة وحدها، بل بالأثر.

ويعود الفضل في صياغة مفهوم اقتصاد التجارب إلى الباحثين الأمريكيين جوزيف باين الثاني وجيمس غيلمور، اللذين قدّماه للمرة الأولى أواخر تسعينيات القرن الماضي في بحثهما المنشور بمجلة Harvard Business Review. وقد انطلقا من ملاحظة أن النشاط الاقتصادي يمر بمراحل متتابعة، تبدأ بالسلع والمنتجات، ثم الخدمات، وصولًا إلى مرحلة أكثر تقدمًا تصبح فيها التجربة المصممة بعناية هي القيمة التي يدفع الناس ثمنها.

في هذه المرحلة، لا يعود التنافس على السعر أو الكفاءة وحدهما كافيين، بل يصبح الإحساس، والتميز، والانغماس عناصر رئيسية في المعادلة الاقتصادية.
الإنسان بطبيعته لا يتذكر التفاصيل التقنية بقدر ما يتذكر الشعور العام. قد ينسى العميل مواصفات المنتج أو تكلفة الخدمة، لكنه يتذكر كيف استُقبل، وكيف شعر أثناء التجربة، وما إذا كان سيحب العودة أو التوصية بها للآخرين. من هنا، يكتسب اقتصاد التجارب قوته، إذ يحوّل المشاعر والانطباعات إلى قيمة اقتصادية ملموسة.

الشركات التي تطبق هذا المفهوم لا تنظر إلى العميل كعملية بيع تنتهي عند الدفع، بل كرحلة تبدأ قبل الشراء وتستمر بعده. كل نقطة تواصل، وكل تفصيل صغير، وكل تفاعل بشري يصبح جزءًا من تجربة متكاملة إما أن تعزز العلاقة أو تضعفها. لذلك، فإن تصميم التجربة لم يعد ترفًا إداريًا، بل عنصرًا استراتيجيًا في بناء الميزة التنافسية.

ولعل أبرز الأمثلة العالمية على ذلك ما قامت به شركة ديزني، التي لا تبيع تذاكر دخول فحسب، بل تخلق عالمًا متكاملًا من القصص والرموز والانغماس، يجعل الزائر يشعر بأنه جزء من حكاية أكبر. هذا النموذج جعل التجربة أحد أكبر مصادر الإيرادات لدى الشركة، متجاوزًا في قيمته كثيرًا من المنتجات التقليدية.

الأمر ذاته يمكن ملاحظته في نموذج ستاربكس، التي لم تبنِ نجاحها على القهوة وحدها، بل على فكرة المكان الثالث؛ مساحة يشعر فيها العميل بالراحة والانتماء بين المنزل والعمل. التجربة هنا ليست إضافة جانبية، بل جوهر العلامة التجارية، وهو ما يفسر قدرة الشركة على الحفاظ على ولاء عملائها رغم اشتداد المنافسة.

وعلى مستوى الدول، تقدم سنغافورة نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف اقتصاد التجارب في السياحة، حيث لا تُقدَّم كوجهة زيارة عابرة، بل كمنظومة تجارب متكاملة تجمع بين الثقافة والطعام والأعمال والترفيه. هذا التوجه جعل التجربة السياحية مصدرًا اقتصاديًا رئيسيًا يدر مليارات الدولارات سنويًا.

في المملكة العربية السعودية، ينسجم اقتصاد التجارب انسجامًا طبيعيًا مع التحولات التي تقودها رؤية المملكة 2030. النمو المتسارع في أعداد السياح، واتساع نطاق الفعاليات والمواسم، وتطوير المدن والمشاريع الكبرى، كلها مؤشرات على انتقال حقيقي من اقتصاد الخدمات التقليدية إلى اقتصاد التجارب المصممة بعناية.

وهنا تبرز فرصة جوهرية أمام الشركات، ليس فقط في قطاعات السياحة والترفيه، بل في التطوير العقاري، المطاعم، والتجزئة، والخدمات، وحتى الأعمال بين الشركات. فالتميّز لم يعد مرهونًا بحجم الاستثمار فقط، بل بقدرة المنشأة على فهم الإنسان، وتصميم تجربة تحترم وقته، وتلامس مشاعره، وتترك أثرًا إيجابيًا طويل الأمد.

يمكن القول إن اقتصاد التجارب ليس صيحة مؤقتة، بل استجابة طبيعية لتحول عميق في وعي الإنسان وتوقعاته. وفي عالم يتسارع فيه كل شيء، تبقى التجربة الإنسانية الصادقة والمصممة بعناية هي العملة الأندر والأكثر قيمة.

المراجع:
Pine, B. J. & Gilmore, J. H. Welcome to the Experience Economy, Harvard Business Review.
The Walt Disney Company – Annual Reports.
Starbucks Corporation – Investor Relations Reports.
Singapore Tourism Board – Tourism Performance Reports.

Exit mobile version