في مشهد إنساني مؤثر يجسّد عمق الرسالة الطبية والإنسانية التي تبنتها المملكة العربية السعودية على مدى عقود، التقى الدكتور عبد الله بن عبدالعزيز الربيعة بالتوأم البولندي “أولغا وداريا”، بعد مرور 21 عامًا على نجاح عملية فصلهما في المملكة، في قصة أصبحت شاهدًا عالميًا على ريادة السعودية في مجال فصل التوائم السيامية وتحولها إلى مرجع طبي وإنساني دولي في هذا التخصص الدقيق.
التوائم السيامية… تحدٍّ طبي معقّد
التوائم السيامية هي حالات نادرة تنشأ نتيجة عدم اكتمال انقسام الجنين في المراحل المبكرة من الحمل، ما يؤدي إلى ارتباط التوأمين في أجزاء أو أعضاء حيوية من الجسم، مثل الصدر أو البطن أو الرأس. وتُعد هذه الحالات من أكثر التحديات الجراحية تعقيدًا في طب الأطفال، نظرًا لتداخل الأجهزة الحيوية وتشابك الأوعية الدموية والأعصاب، ما يتطلب دقة عالية وتخطيطًا طويل الأمد قبل اتخاذ قرار التدخل الجراحي.
البداية السعودية لمسيرة الريادة
بدأت المملكة العربية السعودية برنامجها المتخصص في فصل التوائم السيامية منذ أوائل التسعينيات، في إطار رؤية إنسانية وطبية تهدف إلى تقديم الرعاية المتقدمة للأطفال دون النظر إلى جنسياتهم أو أوضاعهم الاقتصادية. ومنذ ذلك الوقت، تطور البرنامج بشكل متسارع، مستندًا إلى دعم القيادة، وتكامل المنظومة الصحية، وتراكم الخبرات الطبية الوطنية.
وقد شكّل الدكتور عبد الله الربيعة أحد أبرز الأعمدة الرئيسة في هذا البرنامج، حيث قاد وشارك في تقييم وإجراء عدد كبير من العمليات، وأسهم في بناء مدرسة طبية سعودية متخصصة في هذا المجال النادر.
أرقام تعكس حجم الإنجاز
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، قامت المملكة بدراسة وتقييم مئات الحالات من التوائم السيامية القادمة من مختلف دول العالم، وتم إجراء عشرات عمليات الفصل الناجحة داخل المستشفيات السعودية، بمشاركة فرق طبية متعددة التخصصات.
وتُعد نسبة النجاح التي حققها البرنامج السعودي من بين الأعلى عالميًا، خصوصًا في الحالات المعقدة التي تشترك في أعضاء حيوية، وهو ما عزز ثقة المجتمع الطبي الدولي في القدرات السعودية.
منهجية طبية متكاملة
تعتمد عمليات فصل التوائم السيامية في المملكة على منهجية علمية دقيقة تبدأ بالتشخيص المبكر، مرورًا بمرحلة طويلة من الفحوصات المتقدمة والتصوير الطبي ثلاثي الأبعاد، وصولًا إلى التخطيط الجراحي التفصيلي الذي قد يستغرق أشهرًا.
وتشارك في كل عملية فرق طبية متكاملة تشمل جراحة الأطفال، التخدير، العناية المركزة، الأشعة، جراحة التجميل، التمريض، والدعم النفسي، لضمان أعلى مستويات السلامة قبل وأثناء وبعد العملية.
كما تحظى مرحلة ما بعد الجراحة بأهمية كبرى، حيث تتم متابعة التوأمين لفترات طويلة للتأكد من اكتمال التعافي وتحسن جودة الحياة.
البعد الإنساني… ما وراء الجراحة
لا يقتصر الدور السعودي على الجانب الطبي فقط، بل يمتد ليشمل بُعدًا إنسانيًا عميقًا، حيث تتحمل المملكة تكاليف العلاج كاملة، إلى جانب توفير الإقامة والدعم النفسي والاجتماعي لأسر التوائم طوال فترة العلاج.
هذا النهج الإنساني جعل البرنامج السعودي نموذجًا عالميًا يجمع بين الاحتراف الطبي والقيم الإنسانية، وأسهم في تعزيز صورة المملكة كدولة فاعلة في العمل الإنساني الدولي.
قصة أولغا وداريا… شهادة حية على النجاح
يمثل لقاء الدكتور عبد الله الربيعة بالتوأم البولندي “أولغا وداريا” بعد 21 عامًا من فصلهما محطة إنسانية بالغة الدلالة، حيث تحولت قصة نجاح طبي إلى حياة طبيعية مكتملة، وهو الهدف الأسمى الذي تسعى إليه هذه العمليات المعقدة.
ويؤكد هذا اللقاء أن ما تحقق لم يكن مجرد نجاح جراحي مؤقت، بل إنجاز طويل الأمد أسهم في تمكين التوأمين من العيش باستقلالية وصحة جيدة، ليصبحا رمزًا عالميًا للنجاح الطبي السعودي.
السعودية… مرجع عالمي في فصل التوائم السيامية
بفضل تراكم الخبرات، وتطور البنية التحتية الصحية، واحترافية الكوادر الوطنية، أصبحت المملكة العربية السعودية واحدة من أبرز المراجع العالمية في مجال فصل التوائم السيامية، وتستقبل حالات معقدة من مختلف القارات.
كما أسهم البرنامج في نقل المعرفة الطبية، وتدريب كوادر صحية، وتعزيز مكانة المملكة في المؤتمرات والمحافل الطبية الدولية.
خاتمة
يعكس لقاء الدكتور عبد الله الربيعة بالتوأم البولندي “أولغا وداريا” جوهر التجربة السعودية في فصل التوائم السيامية، حيث يلتقي العلم بالإنسانية، وتتجسد رؤية طبية تهدف إلى إنقاذ الحياة وصناعة الأمل. وبينما تواصل المملكة تطوير هذا البرنامج، تبقى قصص النجاح شاهدًا حيًا على ريادة طبية وإنسانية تجاوزت حدود الجغرافيا ووصلت إلى العالم أجمع
