التجارة الإلكترونية.. من خيار إضافي إلى عصب الاقتصاد الحديث

يشهد قطاع التجزئة العالمي والمحلي تحولاً جذرياً لم يعد فيه البيع عبر الإنترنت مجرد قناة إضافية لزيادة المبيعات، بل أصبح الركيزة الأساسية لاستمرارية الشركات ونمو أرباحها. ففي ظل التوقعات التي تشير إلى وصول مبيعات التجارة الإلكترونية العالمية إلى 8.5 تريليون دولار بحلول عام 2026، تتسابق شركات التجزئة لتعزيز حضورها الرقمي، مدفوعة بتغيرات عميقة في سلوك المستهلكين الذين باتوا يفضلون “العزلة الرقمية” والراحة التي توفرها المنصات الإلكترونية. هذا النمو المستمر مدفوع بالذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن تزيد حصة التجارة الإلكترونية من إجمالي مبيعات التجزئة عالمياً لتصل إلى 24%، مقارنة بـ 21% في عام 2024. أما في منطقة الشرق الأوسط، فقد نما سوق التجارة الإلكترونية بنسبة 30% سنوياً، مع تصدر الإمارات والسعودية لهذا النمو. كما تشير التقديرات إلى أن قيمة قطاع “طرق الغذاء” الرقمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تصل إلى 240 مليار دولار بحلول عام 2035 وفقاً لتقديرات PwC.

البداية الأوسع: كيف اعتمدت الشركات على العالم الرقمي؟
بدأ الاعتماد الواسع على التجارة الإلكترونية كنقطة تحول مفاجئة خلال الجائحة، لكنه تحول اليوم إلى استراتيجية “هجينة” (Hybrid) تتبناها كبرى الشركات التقليدية. لم يعد الهدف فقط هو البيع، بل الوصول إلى قاعدة عملاء عابرة للحدود الجغرافية وتقليل التكاليف التشغيلية المرتبطة بالمتاجر الفعلية. تشير البيانات إلى أن المستهلكين في عام 2025 يقضون وقتاً أطول بـ 3 ساعات أسبوعياً في الأنشطة الرقمية الشخصية مقارنة بما كان عليه الحال قبل خمس سنوات، مما جعل “الشاشة” هي الواجهة الأولى والأساسية لأي عملية شراء.

تأثيرات التجارة الإلكترونية على الأسواق والمتاجر التقليدية
أحدثت التجارة الإلكترونية زلزالاً في هيكلية الأسواق التقليدية؛ حيث شهدت المتاجر الجسدية انخفاضاً ملحوظاً في عدد الزوار، مما دفعها لإعادة ابتكار نفسها. المتاجر التي لم تواكب هذا التحول واجهت ضغوطاً شديدة على هوامش أرباحها، بينما نجحت المتاجر التي دمجت التقنية في توفير تجربة “تجزئة ذكية” تجمع بين المعاينة الواقعية والشراء الرقمي. في منطقة الشرق الأوسط، يبرز توجه قوي نحو “الملاءمة الرقمية”، حيث يفضل 30% من المستهلكين استخدام منصات التوصيل للتسوق اليومي، وهو ضعف المعدل العالمي البالغ 15%.

الميزات والمخاطر: ميزان الربح والتحدي
تتعدد إيجابيات التجارة الإلكترونية للشركات، بدءاً من القدرة على تخصيص تجربة التسوق باستخدام الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى توفير خيارات غير محدودة للمستهلك بأسعار تنافسية. فهي تتيح الوصول لأسواق عالمية واسعة، وتقلل التكاليف التشغيلية للمتاجر، وتوفر بيانات دقيقة عن سلوك المستهلك. ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من مخاطر وتحديات جسيمة. فكما ذكر في أحد التقارير، تواجه شركات التجارة الإلكترونية في عام 2026 تحديات متزايدة تتعلق بتقلبات سلاسل الإمداد، وضغوط الهوامش الربحية نتيجة المنافسة الشرسة، بالإضافة إلى المخاطر السيبرانية التي تهدد خصوصية بيانات العملاء. كما تشمل التحديات صعوبة ضمان جودة المنتج عند التوصيل، وتكاليف الشحن.

ثقافة الناس: هل بدأ المجتمع العربي بالتعامل معها فعلياً؟
تؤكد الدراسات الحديثة، ومنها استطلاع “صوت المستهلك 2025” لمنطقة الشرق الأوسط، أن ثقافة التسوق الإلكتروني أصبحت جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي العربي. لم يعد المستهلك يخشى الدفع الإلكتروني كما في السابق، بل أصبح يبحث بنشاط عن العروض والتخفيضات عبر الإنترنت لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. حوالي 49% من المشاركين في المنطقة يعتبرون “تكلفة المعيشة” التهديد الأكبر، مما جعل التجارة الإلكترونية وسيلة ذكية للتوفير والمقارنة بين الأسعار قبل اتخاذ قرار الشراء.

مستقبل التجارة الإلكترونية: نحو عصر “الوكلاء الأذكياء”
يتجه مستقبل التجارة الإلكترونية في عام 2026 وما بعدها نحو دمج أعمق للذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث سيقوم “وكلاء أذكياء” بالتسوق نيابة عن البشر بناءً على تفضيلاتهم الصحية والمادية. كما ستلعب الروبوتات والتوائم الرقمية دوراً محورياً في إدارة المخازن وتوصيل الطلبات. في منطقة الشرق الأوسط، يتوقع أن ينمو قطاع “طرق الغذاء” الرقمي ليصل إلى 240 مليار دولار بحلول عام 2035، مع تركيز متزايد على الاستدامة والمنتجات المحلية، مما يبشر بعصر ذهبي للتجارة الرقمية يعيد رسم ملامح الاقتصاد الإقليمي بالكامل.

Exit mobile version