يمثل شهر رمضان المبارك فرصة سانحة لتعزيز الصحة العامة، إلا أنه يشكل تحدياً خاصاً لأصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري، والضغط، وأمراض الكلى، مما يتطلب مقاربة تغذوية وطبية تتجاوز المفاهيم التقليدية للضيافة الرمضانية، حيث تبدأ الإدارة الناجحة للصيام “بالتقييم الطبي المسبق” قبل بدء الشهر لضبط الجرعات الدوائية ومواعيدها بما يتناسب مع ساعات الانقطاع عن الطعام، مع ضرورة إدراك أن الصيام الصحي لهذه الفئات يعتمد بالدرجة الأولى على الحفاظ على استقرار المؤشرات الحيوية وتجنب التذبذبات الحادة في مستويات السكر أو ضغط الدم، وهو ما يتحقق من خلال توزيع الوجبات بذكاء والتركيز على النوعية لا الكمية.
وفيما يخص الاستراتيجية الغذائية، يتوجب على مرضى السكري والضغط تبني نظام “الامتصاص البطيء” في وجبة السحور، عبر الاعتماد على الألياف والحبوب الكاملة والبروتينات التي تضمن تدفقاً مستقراً للطاقة دون إجهاد البنكرياس أو الكلى، مع ضرورة الالتزام بترطيب صارم يتراوح بين 2 إلى 3 لترات من الماء الموزعة بين الفطور والسحور لتجنب الجفاف الذي قد يؤدي لتركيز الأملاح أو نوبات الدوار، كما يُنصح بشدة بالابتعاد عن المشروبات الرمضانية التقليدية الغنية بالسكريات والمشروبات الغازية، واستبدالها بالفواكه الطازجة والشوربات الطبيعية قليلة الملح، لضمان عدم احتباس السوائل أو ارتفاع ضغط الدم بشكل مفاجئ بعد الإفطار.
إن الركن الأهم في صيام أصحاب الأمراض المزمنة يكمن في “الوعي بلغة الجسد”، حيث لا يعد الصيام صحياً إذا أدى إلى هبوط حاد أو ارتفاع غير مسيطر عليه، مما يستوجب مراقبة دورية ومنتظمة للقياسات المنزلية (السكر والضغط) طوال اليوم، ومع ضرورة استشارة الفريق الطبي المختص عند الشعور بأي إعياء، يظل الاعتدال في ممارسة النشاط البدني الخفيف بعد الإفطار بساعتين وسيلة فعالة لتحسين الحرق وضبط مستويات السكر، وبذلك يتحول رمضان من تحدٍ صحي إلى محطة لتعزيز الانضباط الغذائي الذي ينعكس إيجاباً على الحالة المرضية على المدى الطويل
