كشفت دراسة لـ"جلاكسي" أن 84% من نساء المنطقة يسعين لوقت خاص بلا مقاطعات؛ حيث لم تعد الأزمة تكمن في قلة الوقت المتاح، بل في صعوبة حماية جودته من التشتيت اليومي.لكن بلا شكك الدراسة لاتهمل الوقت الذي تقضيه النساء على الأجهزة
في عصر الاتصال الدائم والإشعارات المتلاحقة، لم تعد معضلة المرأة المعاصرة تكمن فقط في العثور على بضع دقائق لنفسها وسط ركام المسؤوليات، بل في كيفية حماية هذه الدقائق من الاستنزاف والتشويش. كشفت دراسة استقصائية حديثة أطلقتها علامة "جلاكسي" شملت 8,000 مستهلك عبر ستة أسواق عالمية—من بينها 3,000 امرأة في السعودية والإمارات ومصر—أن الأزمة الحقيقية تحولت من "شح الوقت" إلى "انهيار جودته"، حيث أفادت 84% من نساء المنطقة برغبتهن الملحّة في الحصول على وقت خاص خالٍ تماماً من المقاطعات، وهي نسبة بلغت ذروتها في مصر بنحو 91%، تلتها السعودية بـ 82%، والإمارات بـ 79%.
وهم "الوقت المتاح": جودة اللحظة تفوق مدتها
تظهر نتائج الاستطلاع فجوة نفسية وسلوكية لافتة؛ إذ أجمعت 93% من المشاركات في الأسواق الثلاثة على أن العناية بالذات تفقد معناها وقيمتها العلاجية إذا تخللتها انقطاعات متكررة. فالأمر لا يتعلق بالكم بل بالاستمرارية الذهنية.
تشير القراءة النفسية للبيانات إلى أن الاسترخاء ليس زراً يُضغط، بل حالة عصبية ونفسية تتطلب تدفقاً مستمراً للوصول إلى مرحلة التعافي والاستشفاء. فعندما تتعرض المرأة لمقاطعة تمتد في المتوسط بين 24 إلى 32 دقيقة، أو تواجه ما يصل إلى 5.5 مقاطعات يومياً كما هو الحال في مصر، فإن الدماغ يُجبر على إعادة تشغيل دورة التركيز من الصفر. وهذا يفسر شعور نحو نصف النساء في السعودية (47%) ومصر (48%) بالانزعاج والتوتر الشديدين جراء اقتحام مساحاتهن الخاصة، حيث يتحول ما كان يُفترض أن يكون راحة إلى مصدر إضافي للإرهاق العصبي.
تحول مجتمعي: سقوط "عقدة الذنب" وصعود ثقافة الحدود
تكشف الدراسة عن نضج ووعي جمعي يتشكل لدى المرأة في الشرق الأوسط؛ حيث أطاحت النتائج بالمفهوم السائد الذي يربط غياب الراحة بعقدة الذنب أو الخجل من طلب مساحة شخصية. إذ لم تتجاوز نسبة من يربطن عدم استمتاعهن بالوقت بالشعور بالذنب 6% في مصر والسعودية، و9% في الإمارات، وهي معدلات أدنى بكثير من المتوسط العالمي (12%).
هذا التحول يعكس حقيقة واضحة: المرأة لم تعد بحاجة إلى إذن نفسي أو تبرير لتستريح؛ العائق اليوم بات خارجياً وبيئياً بامتياز. الخطر الحقيقي يتمثل في "الضوضاء العشوائية"، والأسئلة الاستهلاكية التي يمكن للآخرين الوصول إلى إجاباتها بأنفسهم دون مساعدة، وهي النقطة التي تصدرت مصادر الإزعاج لدى 41% من نساء الإمارات و37% في السعودية و36% في مصر.
طقوس حسية بسيطة تعيد ضبط التوازن
تُظهر النتائج انحيازاً ملموساً للممارسات اليومية المصغرة التي تخاطب الحواس بدلاً من الخطط الاستجمامية المعقدة؛ إذ تفضل غالبية النساء طقوساً مثل:
فنجان القهوة الصباحي: اختارته ما بين 60% إلى 66% كأهم لحظات الصفاء الذاتي.
طقس تعطير المنزل: تصدر المشهد في السعودية لدى 4 من كل 10 نساء (40%) كأعلى نسبة إقليمية، بما يعكس ارتباط الرائحة بالهدوء النفسي والأمان المنزلي.
روتين العناية والاستحمام الهادئ: برز في الإمارات بنسبة تصل إلى 54% كأداة لعزل التشتت الذهني وضغوط العمل، لا سيما مع مواجهة 21% منهن مقاطعات مستمرة من زملاء العمل و16% من المديرين خارج الدوام.
الأثر الاقتصادي والمؤسسي: نحو بيئة داعمة للإنتاجية
يتجاوز هذا التقرير بعده التسويقي والاجتماعي ليلامس الإنتاجية الاقتصادية المباشرة؛ إذ إن غياب الحدود الواضحة وتداخل أعباء العمل والمسؤوليات الأسرية يخلقان حالة مزمنة من "الاحتراق النفسي" (Burnout). دعم بيئات العمل لثقافة فصل الأوقات واحترام حق الانفصال الرقمي لا يخدم فقط جودة حياة المرأة، بل يرفع كفاءتها المهنية وقدرتها على اتخاذ القرار. كما أن توزيع الأعباء الأسرية المتكافئة يقلل من التوتر المصاحب لإدارة الوقت، والذي اشتكت منه أكثر من 40% من المشاركات عند الاستعداد للخروج اليومي.
الرسالة التي يقدمها التقرير للمحيط الاجتماعي والمهني محددة وعملية: حماية بضع دقائق من الهدوء دون مقاطعة ليست رفاهية ثانوية، بل ركيزة أساسية للاستقرار النفسي والاجتماعي. فاحترام الحدود الشخصية والتراجع خطوة إلى الوراء عن الأسئلة غير الضرورية هما أبسط استثمار يمنح المرأة القدرة على استعادة طاقتها وحضورها الفعّال
ماذا يعني هذا؟
تكشف هذه الدراسة عن تحول جذري في الوعي النفسي والاجتماعي لدى المرأة في المنطقة؛ فالأزمة لم تعد ندرة الوقت المتاح، بل التآكل المستمر لجودته نتيجة التشتت والمقاطعات غير الضرورية. هذا المعطى يؤكد أن الاسترخاء ليس ترفاً ثانوياً، بل عملية عصبية ونفسية تتطلب استمرارية ذهنية للوصول إلى مرحلة التعافي؛ فقطع خلوة المرأة يجهض قدرة جهازها العصبي على تفريغ الضغوط واستعادة توازنه.
كما تعكس النتائج نضجاً لافتاً تمثل في تحرر النساء من "عقدة الشعور بالذنب" عند تخصيص وقت لأنفسهن، ليتحول المطلب من البحث عن مبرر للراحة إلى المطالبة باحترام الحدود الشخصية من المحيطين، سواء في الأسرة أو العمل.
وعليه، فإن الرسالة الأساسية تتجاوز البعد الفردي؛ إذ إن توفير بضع دقائق من الهدوء دون انقطاع ينعكس مباشرة على استقرار الصحة النفسية، ويقي من الاحتراق الوظيفي والأسري، مما يرفع الكفاءة والإنتاجية المجتمعية العامة. حماية هذا الوقت أصبحت ضرورة صحية وتنموية ملحة وليست مجرد رفاهية عابرة.الا ان كلما زاد ابتكار التقنية والترفيه خاصة بعد دخول الذكاء الاصطناعي قل الوقت المستفاد
