تقرير – سوق نيوز
شهد العقدان الأخيران تطوراً غير مسبوق في أدوات التعلم الرقمية، بدءاً من الأجهزة اللوحية وصولاً إلى منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومع هذا الانفجار التقني، تبلورت تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه الأدوات تعزز قدرات التعلم أم أنها تساهم في تغيير مهارات التفكير لدى الطلاب، وخاصة “جيل زد” الذي نشأ في قلب البيئة الرقمية.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن الاندفاع نحو الرقمنة الشاملة في التعليم لم يحقق دائماً النتائج المرجوة؛ فعلى سبيل المثال، كشفت تجارب تعليمية في الولايات المتحدة أن تزويد الطلاب بأجهزة حاسوب محمولة منذ عام 2002 لم يرفع بالضرورة من جودة المخرجات التعليمية. بل إن الأدلة تؤكد أن التوسع الرقمي العشوائي قد يضعف بيئات التعلم ويجعل النتائج أقل مما كانت عليه قبل إدخال التكنولوجيا بكثافة، مما يضع جيل زد أمام تحديات تتعلق بتراجع بعض القدرات الأساسية نتيجة الاستخدام غير المنظم للتقنية.
من الناحية العلمية، يرى الخبراء أن التكنولوجيا ليست “عدواً” للتعلم، بل هي أداة يجب توجيهها؛ حيث إن الإدماج المدروس للبيئات الافتراضية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن دافعية الطلاب بشكل كبير. ومع ذلك، يبرز خطر “الاعتماد المفرط” الذي قد يضر أكثر مما ينفع؛ إذ تحذر منظمات دولية مثل (OECD) من أن أدوات الذكاء الاصطناعي إذا استُخدمت كـ “طريق مختصر” للإجابات، فإنها تخلق ما يسمى بـ “وهم الإتقان”، حيث يظهر الطالب نتائج جيدة ظاهرياً بينما تتراجع قدراته العقلية في التحليل النقدي والتفكير العميق.
وفي استقصاء لآراء الميدان التربوي، تبين أن الفجوة تزداد اتساعاً؛ فبينما يستخدم نحو 80% من الطلاب الأدوات الذكية في دراستهم، يقر أكثر من نصفهم بأن ذلك أثر سلباً على مهاراتهم التعليمية وجعل التعلم عملية “سطحية”. ومن جانبهم، يجمع المعلمون على أن نجاح دمج التكنولوجيا يعتمد كلياً على استراتيجيات التدريس المتبعة وتدريب الكوادر البشرية، وليس على مجرد توفر الأجهزة في الفصول.
ويخلص التقرير إلى أن الفوائد الحقيقية للتكنولوجيا — مثل التعلم المخصص ودعم ذوي الاحتياجات — لا يمكن حصدها دون مواجهة مخاطر تشتت الانتباه وانخفاض مهارات التفكير الاستقلالي. فالتكنولوجيا في نهاية المطاف لا تسبب ضعف التعلم بحد ذاتها، بل تكمن المشكلة في كيفية استخدامها. لذا، تبرز الحاجة الملحّة لإعادة تصميم التقييمات المدرسية لتقيس الفهم والتحليل، وتوعية الطلاب بالفرق بين الاستفادة المعرفية الحقيقية وبين البحث عن الإجابات الجاهزة، لضمان أن يكون جيل زد جيلاً مبدعاً يستخدم التقنية لتعزيز تفكيره لا لاختصاره.
